الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

25

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

صنتيمترا ، ووزنه نحو أربعة أرطال أو تزيد ، وتقوى حركته . العاشر : في الشهر التاسع يصير طوله من خمسين إلى ستين صنتيمترا ووزنه من ستة إلى ثمانية أرطال . ويتم عظمه ، ويتضخّم رأسه ، ويكثف شعره ، وتبتدئ فيه وظائف الحياة في الجهاز الهضمي والرئة والقلب ، ويصير نماؤه بالغذاء ، وتظهر دورة الدم فيه المعروفة بالدورة الجنينية . و ( الظلمات الثلاث ) : ظلمة بطن الأم ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة ، وهي غشاء من جلد يخلق مع الجنين محيطا به ليقيه وليكون به استقلاله مما ينجر إليه من الأغذية في دورته الدموية الخاصة به دون أمه . وفي ذكر هذه الظلمات تنبيه على إحاطة علم اللّه تعالى بالأشياء ونفوذ قدرته إليها في أشدّ ما تكون فيه من الخفاء . وانتصب خَلْقاً على المفعولية المطلقة المبينة للنوعية باعتبار وصفه بأنه مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ ، ويتعلق قوله : فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ب يَخْلُقُكُمْ . وقرأ الجمهور أُمَّهاتِكُمْ بضم الهمزة وفتح الميم في حالي الوصل والوقف وقرأه حمزة في حال الوصل بكسر الهمزة اتباعا لكسرة نون بُطُونِ وبكسر الميم اتباعا لكسر الهمزة . وقرأه الكسائي بكسر الميم في حال الوصل مع فتح الهمزة . ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ . بعد أن أجري على اسم اللّه تعالى من الأخبار والصفات القاضية بأنه المتصرف في الأكوان كلها : جواهرها وأعراضها ، ظاهرها وخفيها ، ابتداء من قوله : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ [ الأنعام : 73 ] ، ما يرشد العاقل إلى أنه المنفرد بالتصرف المستحق العبادة المنفرد بالإلهية أعقب ذلك باسم الإشارة للتنبيه على أنه حقيق بما يرد بعده من أجل تلك التصرفات والصفات . والجملة فذلكة ونتيجة أنتجتها الأدلة السابقة ولذلك فصلت . واسم الإشارة لتمييز صاحب تلك الصفات عن غيره تمييزا يفضي إلى ما يرد بعد اسم الإشارة على نحو ما قرر في قوله تعالى : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ في سورة البقرة [ 5 ] . والمعنى : ذلكم الذي خلق وسخر وأنشأ الناس والأنعام وخلق الإنسان أطوارا هو اللّه ، فلا تشركوا معه غيره إذ لم تبق شبهة تعذر أهل الشرك بشركهم ، أي ليس شأنه بمشابه